ولدي ما زال هناك
بهائي راغب شراب
26/4/2010
انتظرته بهوس الأم الحنون ،
سنوات طويلة مرت بعد أن سافر ليتعلم في الخارج ..
رضيت له السفر .. أملا أن يعود رجلا ، يمتلك بيديه وفي عقله سلاحا جديدا يسخره لوطنه ولشعبه ..
أحلامها كانت تسبقها دوما في تخيله فارسا مغوارا عاد ليقود الجيوش التي تحارب الشر ..
وأول الشر الذي تعيش ، كان اليهود الذين يحتلون البلد ..
وأول الشر توسع حولها ، ليضم المنافقين والمرجفين والجبناء والحكام الظالمين
وآخر الشر انقسام الوطن الواحد إلى فريقين !
فريق متحالف مع العدو الذي يغتصب الوطن … وفريق يجاهد المغتصبين ..
تخيلته دائما جنديا واثقا معتمدا على الله متوكلا عليه ..
حتى عندما ابلغها انه يقبض راتبه منهم … فقد احتفظت بالأمل بأنها مرحلة سرعان ما تزول بمجرد عودته إلى الوطن .. وحيث الغشاوة التي تبطن عينيه ستنجلي ، لتتضح أمامه الوقائع الحقيقية ..
دعته دائما للعودة .. وطالبته بأن يثبت انتماءه للأرض وأن يعزز حبه ووفاءه لها
وفي كل مرة كان يقدم لها تبريرا جديدا لعدم عودته ..
حتى عندما بكت وهي تهاتفه كي يعود ليشارك في الدفاع عن وطنه الذي يتعرض لأبشع عدوان يهودي دموي طال الأخضر واليابس ..
عدوان شارك فيه العالم كله بالتواطؤ وبالصمت المريب
لم يبرر لها تصرفه الواهن الغريب .. بالتخاذل ورفض العودة ..
ولم يبرر لها كيف أن الوقت لم يحن بعد ..
وعندما سألته .. متى يحين ..؟
قال عندما يزول الكابوس عن غزة ..
صعقت من جوابه ..
***
كان ذلك آخر ما توقعت سماعه منه ..
أن يتخلى عن رسالته وعن مبرر وجوده كبشر عابد لله ، مسخر للدفاع عن دينه وعن عباده المسلمين ..
هل صار منهم .. ؟
هل غير انتماءه ورضي لنفسه أن يكون ذيلا ذليلا خانعا ..
كيف ارتضى لنفسه أن يعلنها سافرة هكذا .. أين عزة النفس وكرامة الحياة التي بدونها لا قيمة لأي حياة .. تعبت كثيرا من تساؤلاتها التي لا جواب لها
وأرهقتها الكوابيس المتلاحقة التي تفزعها أثنا نومها فتقوم مذعورة خائفة ترتج أعضاؤها كزلزال كبير يهزها هزا يكاد يشقها إلى قطع وشظايا مثلما يفعل الصاروخ اليهودي بمجاهدينا وهو يغتالهم ..
……
ما زالت ترفض تصديق ما سمعته ..
لم ترسله إلى الغربة ليغير جلده ولا ليبيع ضميره ..
لم تبعثه إلا للعلم .. ليتسلح به وليكون قادرا على مواجهة أعداء وطنه اليهود الذين يكادون يبسطون هيمنتهم على كل شبر من فلسطين ..
نعم .. أرسلته ليعود جنديا للحق ، ومجاهدا يحارب الغزاة لوطنه المعتدين ..
لم تتصوره أبدا يلبس رداء آخر غير اسم فلسطين وتاريخ فلسطين وعبق مساجدها ودماء شهدائها ..
كانت الأم تمشي ببطء مثقلة بخيبة الأمل وبضياع الرجاء محدثة نفسها … أمعقول ما يحدث لولدي .. أأكون قد فشلت في تربيته وفي توجيهه وفي تعليمه العلم الصحيح .. أيعقل أن أفقد بوصلة الأمومة تجاه أغلى ما املك .. لأتسبب بفقد أعز ما ملكت في حياتي .. ولدي .. الذي يمثل روحي التي أغذيها وأنميها وأغرس القيم فيها استعدادا ليوم التضحية والفداء العظيم ..
***
وأخيرا عاد ..
فجأة .. وبدون مقدمات ..
بعد عام من انتهاء الحرب على غزة عاد ..
بعد عام من الرفض والمداورة والتبرير عاد ..
فاجأها بعودته …
دون أن يهيئ الأمر لها من قبل ..
كيف عاد ولماذا .. تساءلت في نفسها ..
لماذا الآن .. وكيف تغير بالكامل من رفض للعودة إلى عودة
أتكون طبيعة فيه أن يتغير ويتقلب من حال إلى حال بدون سابق إنذار ..
لا تسطيع فهم الأمر .. ولا تقبله ..
لكنها تحس بالشك تجاه عودته ..
لكنها ترحب بها .. فربما عاد ليواصل معها حلمها وليسير على هديه .
**
استقبلته كأي أم تستقبل ابنها الغائب عند عودته ..
أرادت أن تستقبله كالفاتحين .. لكنها لم تستطع .. فمازالت تشعر بوجود حاجز غير مرئي يحجزه عنه























