بهائي راغب شراب

الخميس,آذار 27, 2008


مملكة السعادة 11

سحر الكهان

       بهائي راغب شراب

 

آفاق السلطان لهب الجحيم من إغماءه ، والأعوان حوله صامتون لا يستطيعون حديثاً خوفاً وهلعاً من أن يناله غضبه فيأمر بالفتك بهم والتمثيل بجثثهم النجسة .

       وكان الكهان الثلاثة جمرة الخبيث وشعلة المكار وشرار الكرار موجودون ووجوههم  قبيحة وشفاهم مدلاة وأنفاسهم الذليلة منتنة عفنه تأباها كل نفس طيبة ، وكانوا يرتجفون في هلع عظيم من نظرات مليكهم الذميم ، يخشون انتقامه وفحش عقابه لهم ووجب عليهم إن يسرعوا بالمكر ليأمنوا على أنفسهم فقرروا فيما بينهم أمراً أن اتبعوه نجوا ، وان نجحوا قربهم السلطان إليه بين الأعوان الأقرب ، وأصحاب اليد الأطول في إدارة البلاد واستعباد العباد .  واستجمع جمرة الخبيث ما استطاع من قواه وابتدر السلطان بالوقوع عند قدميه يقبلهما ويمرغ وجهه في قذارتهما طالباً العفو و السماح مستأذناً منه الكلام ، فنظر إليه السلطان غاضباً شذراً وأراد الفتك به مستفتحاً لولا انه تماسك وتحامل على نفسه فسمح له بالكلام وحذره من التطويل والتحوير وان يسلك في كلامه اقصر طريق . وفرح الكاهن اللعين وقال : يا مولانا العظيم إنني وإخواني الكهان قد راجعنا الأمور بعد سقوطنا في الامتحان فقمنا بقراءة النجوم واستطلعنا الوقائع والدروب ودبرنا وفكرنا فوجدنا إن السحر وحده يوصلنا إلى ما نشتهي .

قال السلطان : ماذا تقول أيها العجوز الخرفان ، والنار لأقتلنك شر قتله ...لا يستحقها سوى الجبان . ارتعدت فرائص جمرة الخبيث فأسرع متلعثماً وقال يا مولاي لو أهملتني لثوان لبينت لك المقال ولعرفت صدقنا في الإخلاص لك في كل الأعمال.

قال السلطان : إذن قل وعجل بالكلام فصبري ينفذ باستمرار . قال الكاهن خبيث : كما تعلم يا مولاي فإن مملكة السعادة محاطة بثلاثة جبال من الثلج الجامد العظيم وهي التي تحميها من الغزاة وبقاء المملكة مرهون بثبات الثلوج على الجبال وعدم ذوبانها فلو ذابت ستتكون أنهارٌ من المياه  تنحدر بقوة عظيمة إلى الوادي الأخضر حيث مملكة السعادة فتغرقها وتدمر البيوت وتقتل الناس ولا تذر فوق الأرض حياة .

       انفرجت أسارير السلطان لهب الجحيم قليلاً وقال باهتمام : هل انتم متأكدون من فائدة السحر وبجدوى استعماله وأننا فعلاً سننتصر به على الملكة حكيمة...؟

قال جمرة الخبيث : بالطبع يا مولاي نحن متأكدون من نجاح سحرنا ومن فوزنا الساحق ..

قال السلطان : لا زلت أرتاب في الأمر ...أحقاً تقدرون على ذلك

قال جمرة الخبيث : أؤكد على ذلك يا مولاي ولتطمئن فاعلم إننا نضع كل علومنا وخبراتنا في السحر وأنت تعلم يا مولانا كفاءتنا في هذا المضمار ...

قال السلطان : حسناً إذن لا أريد المزيد من التأخير ، قال جمره بانتظار أمرك العظيم يا مولاي .  قال السلطان لا احب المزيد من الكلام متى تبدءون ومتى تجهزون للهجوم ...؟

قال جمرة الخبيث : سنبدأ من الآن وسننتهي بعد ثلاث ليال وحتى ذلك الحين يتم إعادة تنظيم الجيش من جديد ليظهر أمام المسلمين وكأنه مدد جديد فيدخل في نفوسهم الاهتزاز فلا يثبتون أمامنا عند القتال .

       سمع السلطان لهب الجحيم قول الكاهن جمرة الخبيث فهدأ خاطره وقر في جوفه قلبه الذي كاد يتوقف بعد ما أصاب  جيشه من هزيمة منكرة بأيادي جيش المسلمين البررة وفرح بما وصل الكهان إليه وحثهم على التيقن من سلامة إفكهم ونجاح سحرهم فوعده الكهان بالخير واستأذنوا بالانصراف ليتموا سحرهم ويوثقوا إفكهم .

    ***

       انتهت الأيام الثلاثة وحضر الكهان الفجار وقد بان على وجوههم الفسق والانحلال إلى إيوان السلطان لهب الجحيم الذي رحب بهم وأسرف في المدح والإجلال لهم وقربهم منه و أجلسهم عنده ثم سألهم عما وصلوا إليه من التدبير اللئيم لتنفيذ مخططهم الشرير فوقف جمرة الخبيث وقال: ابشر أيها السلطان العظيم قد أتممنا التدبير ونجاحنا أكيد .

قال السلطان : فمتى نبدأ التنفيذ ، أنا متلهف لأرى الملكة حكيمة ذليلة تطأطئ رأسها من سوء الهزيمة . 

قال جمرة الخبيث : اطمئن يا مولاي ستصل مرادك وسنمكنك من عدوتك المغرورة تفعل بها ما تشاء .

قال السلطان : يجب إن يحدث ذلك وإلا فأنتم تعلمون ما ينتظركم من عقاب فأعلموني ما جهزتم وما دبرتم .

قال جمرة الخبيث: لقد اعددنا يا مولاي ستة من النسور الصلعاء المسحورة ، نسرٌ  واحد يكفى لإهلاك مملكة السعادة كلها و...؟

قال السلطان فرحا : و كيف يكون ذلك ..؟

قال جمرة الخبيث : سنطلق النسر إلى قمة أحد جبال الثلوج فيتحول لتوه إلى نار عظيمة تذيب الثلوج بسرعة عظيمة وليست سوى ساعة من نهار إلا وتغرق مملكة السعادة بكل ما فيها من نفوس و من ديار . و في نفس الوقت تكون جيوشنا محاصرة للمملكة يقتلون من يخرج فاراً من الغرق الأكيد ومن الموت القبيح الذي سيطولهم لو  بقوا في المملكة , وهكذا نضمن ألا ينجو من الناس أحد فنكسر بذلك شوكة الملكة حكيمة و نعود إلى بلادنا تكللنا هالات النصر وتهابنا من يومنا البلاد جميعا فيدينون لنا بالطاعة والولاء ... و لو يسمح لنا مولاي فيصدر أمره فنبدأ هجومنا عند الصباح من ناحية جبل الأمان  .  سر الملك لما سمع فأثنى عليهم وأصدر لهم أمره بالهجوم على المسلمين في أول صباح يجيء عليهم ويكون .